"لم يشبه قومه": عن السجايا بوصفها إرثاً عائلياً

"قال معاوية: "إذا لم يكن الهاشمي جواداً لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزومي تيّاهاً لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليماً لم يشبه قومه"، فبلغ قوله الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما، فقال: ما أحسن ما نظر لنفسه! أراد أن تجود بنو هاشم بأموالها فتفتقر إلى ما في يديه، وتزهو بنو مخزوم على الناس فتبغض وتشنأ، وتحلم بنو أمية ويُحَب".

البيان والتبيين (3/284)


إذا لم يكن السنانيّ رحوماً لم يشبه قومه!


تفطن بالرحمة قبل أن تعرف لها اسماً، تراها ممارسةً فيمن حولك، في استجابات طبيعية من الترقّق على كل ضعف، قلَّ او كَثُر.
في أرنبة أنف تَحمَرّ عند مشاهدة ألم، تعطُّفٌ على كل ضعيف، أو دمع يتطفَّل سليقةً على العين، يتندرون به: "احنا بيت بن دمعة :)".

ولا يبكي الرجال مِنهم، غير أنهم يُعذِرون؛ يمدّون إعذارهم إلى أقصاه، مثل بساط ضيافةٍ من كريم، ويحتسبون على كل ألم؛ فيمدّون عصا حِسبَتهم في كل موقف فيه كَسْر لِخاطر أحد: ينهرون من يُعامل بقسوة طِفلَه، ويذودون عن الضعفاء، وتتجهّم وجوههم من "نكتة عادية" فيها انتقاص من حالة ضَعف. ثم أنهم ينصبون سلوك الرحمة هذا معياراً مُلزِماً، يأمرونك بتمثُّله، وتراه فيهم، فيُنفّرونك عما سواه.

وليست الرحمة -في تمظهرها- من أخلاق (القوة)، فلا يتأتى بها "زَهْوٌ" إذْ هي مُتلَبِّسة بحالة تتشبَّه بالضعف؛ من خفض الجناح، وانكسار في القلب، غير أن الذين يُلبسونك الرحمة، ويربّونك على فضائل الإعذار والتغافل، يعلّمونك أن تُخفض جناحك لا أن تخفض معاييرك؛ ذلك أن تنأى بنفسك عن كل ما لا يليق من المواقف والمواضع، بصفحٍ (إعراض والتفات) دونما لوم، وبلا ظنّ، أو حُكمٍ على نية أحد. للناس أحوالهم، ولك صيانة نفسك.

والرحمة أوسع من المحبة، وإن تمثَّلت بسلوك يُشبهها، من التعطّف والتلطّف، والأبَهِ بالخواطر، غير أنك ترحم من تحب ومن تكره، من تقدّره ومن لا يعنيك من أمره شيء، غير أن من الناس من يخلط بينهما لأنهم قد يتلقون الرحمة على أنها عناية خاصة، وإنما هي سلوك عام.

وتُهذّبك الرحمة من جهة، تشّذِب حِدّةً في طبعك، ثم أنها تمنحك صديقاً في كل أرض من حيث لا تحتسب، لأن ثمر ابتساماتك، وعطفك، وحرصك على الجَبر تتلقاها القلوب وتفعل فيها مثل فعل السنابل، لا يذهب المعروف في قلب أتاه على غير تَطَلُّبٍ لجزاءٍ أو توقُّعٍ لمكافأة.

"البِرّ لا يَبلى"


هامش:

وفي قول معاوية (الوارد في أول هذه التدوينة): صيغةُ تعميم صفةٍ على أفراد، على علمٍ بعدم انطباقها على جميع الأفراد.

وفي قول الحسن، تعليقه على قول معاوية، ما يدّل على أن كُلّ قولٍ لسياسيٍّ هو قولٌ سياسيٌ.

1

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *