عن الأيام التي تمرّ، وأنت تظنّها لن تمر

كان يوماً من رمضان، بدأ صيامه في الثالثة إلا ربع فجراً، كنا صياماً إلا هو.

عند الواحدة ظهراً، وقد مضى من نهار الصيام نصفه تقريباً، انطلقنا إلى المستشفى، الذي يبعد ثلاث ساعات عن مدينتنا، لنأخذ جرعة العلاج (هل قلتُ: نأخذ؟ إي والله، لقد كان مرضه يُذوي عروقي - الحمد لله)، مكثنا هناك ساعات، ثم عدنا إلى مدينتنا.

نُفطر في مدينتا، نصلي في المسجد تراويح هي حظّنا من القيام، ما إن تنقضي حتى يبدأ السحر، من أجلها أعادنا إلى المدينة: من أجل الركعات العشرين.

أحمل معي إلى المسجد سلة فيها حافظة الشاي وأكواب من ورق، الصداع يشقّ رأسي، ومنيرة قالت لي -عبر الأثير، من مسافة خمسة آلاف ميل-: لا تخليّن التراويح، خذي معاك بنادول وشاي.

هو يمرض وأنا يُثقِل الطعام كبدي، وأُسرِف في شرب السوائل.

في الصف الثاني على اليسار، تركع ساندرا، مسلمة برازيلية، قد قطعت اليوم طريقين إلى المطار، ذهاباً وإياباً، تحمل العائلات المسافرة، في موسم السفر في رمضان، أخذت أسماء إلى المطار في الثامنة صباحاً، ثم عادت لتحمل عائلة أخرى، إلى المطار ثانية، في الرابعة، تركع ما فاتها من التراويح.

وهناك في مسجد الرجال شابّ إنجليزي، يأتي كل يوم من مدينته التي تبعد ساعتين، يصل قبل أذان المغرب بساعة (في نحو الثامنة والنصف مساءً)، يُفطر في المسجد مع المسلمين، يصلي معهم، ينظف المسجد بعد التراويح (في الواحدة فجراً) ثم يروح إلى مدينته.


كتبي مُشرعة على المكتب، لم أوقِف قيدي، لم أُرِد أن تبدو الحياة، له، وكأنها تتوقف، والقلم مُلقىً على الورق، لم يتمخض عن كلمة، منذ عشرة أيام.

كان يشقّ عليه جداً أنه لا يصوم. ساعة فطورنا كانت أشدّ ساعات اليوم عليه - وعلينا لأجل ذلك-. ويأتي أحد الشباب عابراً -على سفر-، ويأخذه، على غير موعد، ويتناول معه طعامه، ليذكّره بأعذاره المركّبة: السفر والمرض، (وقد كان قبل هذا لا يقعده عن صلاة الجماعة سفرٌ ومطر ومرضٌ اجتمعوا عليه في يوم غير هذا، وفي مرض غير هذا)، فيعود إلينا -بعد اجتماعه بصاحبه المسافر- بغير الوجه الذي غدا به، ويَهون عليه فطره باقي الأيام من الشهر.

ثم مرت هذه الأيام، وانطوت الكتب المفتوحة، وابتسم مرّة الطبيب الذي طالما تجهّم، وصار لي من الذكرى أن هذه الأيام شهدت أشدّ لحظات بكائي، وأعظم منن الله عليّ.

وذهب الظمأ وابتلّت العروق، وثبت السجود إن شا الله.

وأثبت الله علينا مننه لنتكّئ على ما جرّبناه منها، في المقبِل من أيامنا.

2

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *