إذا سافرت في رَكْب: لمحات في المرافَقة

إذا سافرت في رَكْب: لمحات في المرافَقة

أذكر أني -منذ نحو عَقدٍ من الزمان- مرّت بي دعاية ظريفة لشركة مواصلات، تقول الدعاية:

‏"It is smarter to travel in groups"

والجدوى من السفر جماعات، كما توحي المقاطع الكرتونية في الدعاية، متعلقة بمواجهة الأخطار أو الجدوى الاقتصادية، أو -ربما- لشيء من هذا وذاك!

في سفرك، إذا عزمت على السفر، قد تختار، أو تُوجهك متاحاتك، إلى السفر في جماعة، من الأهل أو من الأصحاب. والسفر الذي نقصده في هذه التدوينة: سفر الترويح، لا سفر الضرورة أو المهمات.

وإنما تُقصد هذه الأسفار لمعناها الذي يتحصل به السرور والراحة والمشاركة والنظر في الأرض واللهو البريء، لا مراكمة الأشياء والصور. وإذا كانت كذلك، فثمة قواعد (آداب) يَحسن التنبه لها في هذه الأسفار (أضعها هنا لأشارك القارئ لا لأعلّمه!).

  • "اسمح بمالك"

تقوم هذه الرحلات على نوع من المشاركة المنظمة المتفق عليها مسبقاً، وهذا من شأنه تحقيق العدل والإنصاف، واستدامة الود والمشاركة. غير هذه المشاركة يجب ألا تكون تعاقدية محضةً، إذ التقاسم فيها والتشارك قائم على أساس من التشارك العادل والتعاون، لا على نفْس المشاحّة في استيفاء الحقوق، فأنت -مع أهلك وصحبك- لا تقتسم بحدّ المسطرة ورسم القلم، لا سيما في مسائل الترويح الاختيارية، بل تدفع عن نفسك شُحّها، وتشتري إدامة الود بشيء من المشاركة "التراحمية" بتعبير المسيري.

ومن ذلك مثلاً: أنك تدعوهم مرّة على طاولة مقهى، أو تشتري زاداً تتقاسمه، أو تسدّ نقصاً هامشياً في نَثْريات طرأت على جيب الرحلة، أو تفعل شيئاً من هذا بحسب ما يناسبك وتسخو به نفسك.

بشاشة وجه المرء خيرٌ من القِرى فكيف إذا يُقريــك وهو ضَحــوك

متن:

في وصية ذي الإصبع العدواني قال لابنه أسيد -إذ أوصاه بما يُعلي شأنه في قومه- قال: "واسمح بمالك"، ولم يقل له: "أعط" من مالك، أو "أنفق" مالك، ذلك أن العطاء موقف نفسي في المقام الأول، وإنما يدوم عطاء الكريم ويؤتي أُكُله إذا كان عن نفس سامحة.

  • احمل معك أغراضك

الشاحن المتنقل، وصلة الكهرباء ذات اللسانين، مجفف الشعر، والأدوات الاستهلاكية، حتى وإن كان توفرها وارداً، اعمل أن يكون معك ما تحتاجه من أغراضك، ، لئلا تستعير من غيرك ما قد يحتاجه غيرك. فالسفر مظنة الاحتياج ، ولا يخلو مسافر من تفقّد نقص غالباً، غير أن ما يُتطلّب هنا هو أن تعمل على سدّ حاجاتك ما استطعت.

متن: عز المؤمن استغناؤه عما في أيدي الناس، كما ورد في الهدي النبوي.

  • "من حسن المرافقة: الموافقة"، وزاوية، وسماعة، ودفتر

‏في رحلات الجماعة، سيطول الانتظار أحياناً، لن تكون المواعيد منضبطة على كل حال، كما أن وجهات الرحلات قد تختلف، إذ الأذواق والإرادات تختلف، لا يرغب كل أحد بمكان ترفيهي، وليسوا مجتمعين على حبهم للتسوق، لن يتفق الجميع على مكان واحد؛ قد تزورون أماكن لا تقع في دائرة اهتمامك، ومشاوير ليست من تفضيلاتك، قلّ أن يجتمع الجميع على مكان واحد.
وافقهم على ما يختارونه ما استطعت، واشتر الصُحبة، فالترفيه لا يتحقق بالمكان نفسه بقدر ما يتحقق بالمصاحبة فيه.
ثم اجعل لك زاوية في الأماكن التي لا تروق لك: طاولة مقهى، وقائمة مواد مسموعة، أو كتيب لطيف، أوتسجيل بعض الذكريات، والتقاط بعض الصور، أو ممشى تتخذه على هامش المكان، سيمنحك هذا قَدْرٌ من الانعتاق، ويشغلك في المواقف التي لا تروق لك.

مَتن:

حافظ على قراءة أذكارك صباح مساء واحرص عليها أكثر الحرص في السفر، كثيراً ما نلهو عن أورادنا في السفر، وهي لو تأملت خير زاد ومعين ، وإنما الراحة الكبرى تتُطلّب بها.

  • أحاديث السفر

تقوم الأحاديث في الأسفار -في الترويح- مثل مقام الزاد والأماكن، استمع، واستمتع، ولا تذكر رفاقك إلا بخير. ستكون بعض المواقف، وقد يحكي بعضهم عن بعضهم، فقد تورث الخلطة بعض المِلال؛ لا تنتقد أحداً ، واجعل سماعتك والصمت عن النقد رفيقك إلى حين تعود إلى لنفوس هدأتُها.

إنما يُراد من الأسفار هدأة النفوس وخفة الأرواح فيها، وذاكرة الضحك زاداً لقادم الأيام، لا تَراكمُ الأشياء ومُكاثرة الأماكن.

متن:

ستكشف لك كل رحلةٍ شيئاً من بشرياتك، أو عيباً من عيوبك، أو جانباً في نفسك بإمكانك أن تتطلّب له الكمال، يمكن أن تمنحك هذه التجارب أناتُك، أو استغناء نفسك بالقناعة، والتقلل من زحمة الإرادات، فإن أردت أن تسافر؛ "ففي الأسفار خمس فوائد" كما قال الإمام الشافعي.


تحديث (25 يناير 2024, 100م):

كتبتُ هذه التدوينة، ثم وجدت هذا النص لأبي حامد الغزالي:

وآداب الصحبة: الايثار بالمال، فإن لم يكن هذا فبذل الفضل من المال عند الحاجة، والإعانة بالنفس في الحاجات، على سبيل المبادرة من غير إحواج إلى التماس، وكتمان السر، وستر العيوب، والسكوت على تبليغ ما يسوؤه من مذمة الناس إياه، وإبلاغ ما يسره من ثناء الناس عليه، وحسن الإصغاء عند الحديث، وترك المماراة فيه، وأن يدعوه بأحب أسمائه إليه، وأن ثني عليه بما يعرف من محاسنه، وأن يشكره على صنيعه في وجهه، وأن يذب عنه في غيبته إذا تعرض لعرضه كما يذب عن نفسه، وأن ينصحه باللطف والتعريض إذا احتاج إليه، وأن يعفو عن زلته وهفوته، ولا يعتب عليه، وأن يدعو له في خلوته في حياته وبعد مماته، وأن يحسن الوفاء مع أهله وأقاربه بعد موته، وأن يؤثر التخفيف عنه، فلا يكلفه شيئا من حاجاه، فيروح سره من مهماته، وأن يظهر الفرح بجميع ما يرتاح له من مساره، والحزن على نياله من مكارهه، وأن يضمر في قلبه مثل ما يظهره، فيكون صادقا في وده سرا وعلانية، وأن يبدأه بالسلام عند إقباله، وأن يوسع له في المجلس ويخرج له من مكانه، وأن يشيعه عند قيامه، وأن يصمت عند كلامه حتى يفرغ من كلامه، ويترك المداخلة في كلامه. وعلى الجملة، فيعامله بما يحب أن يعامل به، فمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه فأخوته نفاق، وهي عليه وبال في الدنيا والآخرة.

(بداية الهداية: 67)

1

اكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *